
فالتاريخ عنده معقولٌ محكومٌ بسُنَّةٍ، وصعودُ الأمم وأفولها يجري على قانونٍ ثابتٍ يتجاوز الأشخاص والأزمنة: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]. يتقرَّر في مفهوم السُّنَّة مبدأٌ يرفع التاريخ إلى مرتبة العلم، ويجعل من مصائر الأُمم موضوعًا خاضعًا للفهم والاستقراء، ومحكومًا بعلّةٍ ومعلولٍ. والسُّنَّة في هذا السياق قانونٌ موضوعيٌّ يعمل باطِّرادٍ يشبه اطِّرادَ قوانين الطبيعة في ثباتها ولزومها، على مسافةٍ من الوعظ الخُلُقيّ الذي يخاطب الضمير. فما جرى على الأولين يجري على من سلك سبيلهم، وما أصاب الأمم الغابرة يصيب من ركب مركبها. إنَّ الحضورَ الكثيف لأخبار الأقوام في القرآن يخدم هذا المقصد؛ فالقصة تتردَّد لتترسَّخ القاعدة، والخبر يتكرَّر ليتحوَّل إلى قانون، والجزئيَّةُ تُستعاد لتنكشف عن كلِّيٍّ يحكمها. وهذه السُّنَن تعمل بحيادٍ يشمل الأمم جميعها على اختلاف مللها؛ فالقانون يجري على من استوفى شروطه من غير محاباة، والانتسابُ إلى الحقِّ في الاعتقاد يخلو من الأثر ما لم يقترن بعدلٍ في العمل. بهذا يكتسب علم السُّنَن صرامته الموضوعيّة، ويرقى من مقام الوعظ إلى مقام القانون.
**********
هذه الأطروحة تحمل في طيِّها تصوُّرًا للأُمَّة بوصفها ذاتًا لها وجودها المستقلُّ. فالأُمَّة تحيا حياةً تخصُّها، ولها إرادةٌ جامعةٌ تنبثق من تفاعل أفرادها وتتجاوز مجموعهم العدديّ، ولها بنيةٌ من القيم والعلاقات تشدُّها وحدةً واحدةً، ولها أجلٌ محدودٌ ينتهي إليه وجودها الحضاريّ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. فالفردُ يولد ويموت في عمرٍ قصير، فيما الأُمَّةُ تمتدُّ عبر أجيالٍ متعاقبةٍ في قوسٍ من النشأة والاكتمال والانحلال. هذا التمييز بين زمن الفرد وزمن الأُمَّة يؤسِّس لفلسفةٍ ترى في الجماعة كائنًا حضاريًّا له منطقُ حياته ومنطقُ موته، ويمنح موضوع الهلاك مداه الحقيقيّ: موتٌ حضاريٌّ يسبق الموت العمرانيّ، وأفولٌ في الباطن يتقدَّم على الخراب في الحجر. فالأُمَّة تفقد روحها الجامعة أوَّلًا، ثم يتساقط بنيانها المادّيّ تصديقًا لما جرى في الباطن.
جوهرُ هذا المنطق علّةٌ خُلُقيّةٌ تعمل في نظام الوجود التاريخيّ عملَ العلل في معلولاتها. فالقرآن يعيّن الظلم قوّةً فاعلةً في انهيار العمران، ويجعله سببًا حقيقيًّا يستدعي أثره: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. فلنتأمّل الدقّة في التركيب: الهلاك يرتبط بحال الأهل في اجتماعهم، ومعيارُ البقاء صلاحُ المعاملات والعلاقات ونظام العيش. القرية التي يعمّها الإصلاح تنجو، والقرية التي يستشري فيها الظلم تستوجب العقوبة الحضاريّة. والظلم في أصله وضعٌ للشيء في غير موضعه، واختلالٌ في ترتيب العلاقات؛ فيصير المستضعف في موضع المُهان، والمتحكّم في موضعٍ فوق القانون، والحقّ في موضع المُهدَر. يتّصل في هذا التصوّر نظام التشريع بنظام التكوين اتّصالًا وثيقًا؛ فالعدل قانونٌ كونيّ يحفظ التوازن الذي يقوم عليه الاجتماع، والظلم اعتداءٌ على هذا التوازن يستدعي ردّ الفعل الذي أودعه الله في بنية العمران. وحين يعمّ الاختلال، تنحلّ الرابطة التي يقوم عليها الاجتماع، ويتراكم الخلل في أنسجته حتى يبلغ عتبةً يتهاوى عندها البناء. من هنا تتحوّل القرى الخاوية إلى نصٍّ يحمل الدلالة: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]. فالخرابُ آيةٌ تُقرأ، والباءُ في "بما ظلموا" تربط النتيجة بعلّتها ربطًا محكمًا.
**********
عند هذا الحدّ ينكشف الفارق بين هذه الفلسفة والتفسير المادّي للتاريخ الذي يردّ صعود الحضارات وأفولها إلى عوامل القوّة والاقتصاد فقط. يصف ذلك التفسير سطح الظاهرة، ويرصد حركة الثروة والسلاح والعمران، ثم يقيم من هذه العوامل المتحرّكة علّةً أخيرة. أمّا القرآن فينفذ إلى الأصل الأعمق الذي يحرّك هذا السطح، فيقيم المصير على أساسٍ قِيَميّ يحكم الاقتصاد والقوّة معًا. فالثروة أداةٌ يصلح بها الاجتماع أو يفسد، والقوّة وسيلةٌ يُقام بها العدل أو يُبسط بها الطغيان، والقيمةُ الخُلُقيّة هي التي تحدّد وجهة الأداة. فمن ردّ الحضارة إلى اقتصادها وقوّتها وقع في قلب العلّة بمعلولها، وحسب الأثرَ سببًا؛ فالعوامل المادّيّة مجالُ ظهور الفعل الخُلُقيّ، والفعلُ الخُلُقيّ هو العلّة الحقيقيّة وراء البقاء أو الزوال.
ويميّز هذا التصوّرُ بين أداة الهلاك وعلّته؛ إذ إنَّ القرآن يذكر وسائل ماديّةً متنوّعةً أنزلت بالأمم الغابرة، من ريحٍ صَرْصَرٍ، وصيحةٍ خامدةٍ، وخسفٍ للأرض، وإغراقٍ بالماء، ثم يردّها جميعها إلى علّةٍ واحدةٍ خُلُقيّةٍ: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. فالوسائل الطبيعيّة أدواتٌ تنفّذ الحكم، والعلّة الحاكمة ظلمُ القوم لأنفسهم. بهذا يتميّز الهلاك في القرآن عن الكارثة الطبيعيّة العمياء؛ إذ الحدث المادّيّ واحدٌ في صورته، ومعناه يتقرّر بالسبب الخُلُقيّ الذي استدعاه. الأمّة تصنع سببَ فنائها، ثم تأتيها الأداة من جنس ما اقتضاه فعلها.
**********
يعيّن القرآن الفاعل الذي يجري الظلم على يديه في مسار الانحدار. فهي طبقةٌ تتضخّم في جسد الأمّة، وتستأثر بالثروة والنفوذ، وتحوّل الرفاه إلى بطرٍ يعطّل العدل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. فالترف حالةٌ تصيب النخبة حين ينفصل امتيازها عن وظيفتها، وينشأ وعيٌ يرى في الامتياز حقًّا طبيعيًّا وفي الاستضعاف قدرًا لازمًا لغير أصحابه. عند هذه المرحلة يفقد المجتمع قدرته على تصحيح نفسه؛ لأنَّ الفئة القادرة على الإصلاح هي عينها الفئة المستفيدة من الفساد. فتُشلّ آلية التصحيح الداخلي، ويستمر الانحدار إلى منتهاه. عادٌ ضربت المثل الأول: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. فالقوة المادية تحوّلت في وعيهم إلى دليل استعلاء، والعمرانُ إلى ذريعة طغيان، حتى انقادوا لمن يسوقهم إلى حتفهم: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩].
حين يُشلّ التصحيح الداخلي يبعث الله الرسل بوصفهم آلية إصلاحٍ خارجيةً تنبّه الأمّة إلى مسار سقوطها قبل فواته. والرسالة هنا جزءٌ من القانون، لا حدثٌ خارجٌ عنه؛ فالعقوبة الحضارية تتأخّر حتى يبلغ الإنذار مداه، وتقوم الحجّة على القوم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفي هذا الشرط تتجلّى عدالة السُّنّة؛ فالأمّة لا تؤخذ على غفلةٍ من غير بيان، ولا تهلك قبل أن تُتاح لها فرصة الرجوع؛ إذ إنَّ مَهمّة الرسول هي في أن يعيد إلى الوعي الجمعيّ المقياسَ الذي فقده، ويكشف الظلم المتراكم في صورة عدلٍ مألوف، ويدعو المستضعفين والمترفين معًا إلى ميزانٍ واحد. وموقفُ الأمّة من هذا النداء هو الذي يحسم اتجاهها؛ إمّا استجابةٌ تفتح باب النجاة، وإمّا إعراضٌ يستكمل شروط الهلاك.
**********
يكشف القرآن عن الموقع الذي تتركّز فيه مقاومة الإصلاح داخل بنية الأمّة. الملأ المستكبر، وهم أصحاب الجاه والثروة المحيطون بالسلطة، يقفون في وجه الرسل دفاعًا عن نظامٍ يحفظ امتيازهم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥]. فالصراع بين الرسالة والملأ صراعٌ بين مشروع إصلاحٍ يعيد الموازين إلى نصابها، ومصلحةٍ راسخةٍ تجد في اختلال الموازين بقاءها. يملك الملأ أدوات التأثير في الوعي الجمعيّ، فيصوّر الدعوة تهديدًا للنظام القائم، ويستنفر عصبيّة القوم في وجه من يدعوهم إلى العدل. وحين ينتصر الملأ على صوت الإصلاح تُغلَق الأمّة على آخر منافذ التصحيح، وتستكمل بذلك شروط سقوطها.
**********
يبلغ الطغيانُ وجهه السياسيّ المكتمل في نموذج (فرعون). فالآية التي تصفه تجمع عناصر الانحدار في نسقٍ واحد: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ [القصص: ٤]. علوٌّ يرفع الحاكم فوق كل ميزان، ثمّ تشييعٌ يمزّق وحدة الأمة إلى فئاتٍ متنازعة، ثمّ استضعافٌ ينزل بطائفةٍ بعينها. إنَّ تقسيمَ المجتمع أداةٌ من أدوات الطغيان الأصيلة؛ فالأمَّة الموحّدة تملك قدرةً على المقاومة والتصحيح، والأمة المشيّعة تُساق فِرَقًا متناحرةً يسهل التحكّم بها واستنزاف بعضها ببعض. فالقرآن يختم وصف (فرعون) بكلمةٍ تختصر مآله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فالقوَّة التي تقوم على تفتيت الاجتماع وإذلال طائفةٍ منه تحمل في داخلها بذرة انهيارها، ومصيرُ (فرعون) في القرآن أشهر شواهد على أن الاستعلاء يستدعي الاستئصال.
ويقرن القرآن سقوط (فرعون) بقانونٍ في وراثة المستضعفين، فيجعل انهيار نظام الظلم مقدّمةً لتمكين من أذلّهم: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]. يتحرّك التاريخ في هذه الرؤية نحو ردّ الاعتبار للعدل؛ فالاستضعاف حالةٌ طارئةٌ يفرضها الطغيان، والوراثة عاقبةٌ للذين صبروا على الحقّ. إنَّ سقوط (فرعون) وتمكين المستضعفين وجهان لسُنّةٍ واحدة، تسقط بها موازين الظلم وتقوم مكانها موازين العدل. بهذا يكمّل القرآن صورة الهلاك ببُعده الإيجابيّ، فزوالُ الظالمين مدخلٌ لعمرانٍ جديدٍ يقيمه من ورث الأرض بعد استضعافٍ طويل، وفرصةٌ لاستئناف البناء على أساسٍ من العدل.
**********
وللظلم وجهٌ اقتصاديٌّ يخصّه القرآن بموقعٍ بارز في قصة مِدْيَن. فدعوة النبيّ شعيب (ع) لقومه تضع اليد على المفصل: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]. الكيل والميزان هنا رمزُ العدالة في التبادل، وبخسُ الناس أشياءهم اختلاسٌ منظّمٌ لجهدهم يتسلّل عبر الموازين المغشوشة إلى بنية المجتمع. فالقرآن يقرن التطفيف بالإفساد في الأرض، فيجعل الغشّ الاقتصاديّ جريمةً تمسّ العمران في أساسه؛ لأنها تنقض الثقة التي يقوم عليها الاجتماع. وعلى المنوال نفسه تنقلب الأُمم على نعمها بالجحود، فتتحوّل أسباب بقائها إلى أسباب فنائها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. الأمنُ ينقلب خوفًا، والشبعُ جوعًا، والعبارة الختامية تحسم نسبة السبب إلى صنيع القوم أنفسهم. هذا الاقتران بين فعل الإنسان وفساد محيطه يرتقي إلى قانونٍ عامٍّ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]. فاختلالُ العالم الخارجي مرآةٌ تعكس اختلال العالم الخُلُقيّ.
**********
تتقدّم هذه المعطيات إلى المعضلة الفلسفيّة الكبرى في المسألة: العلاقة بين حتميّة القانون وحرّيّة الإنسان. فالسُّنَّة موصوفةٌ بثباتٍ يقارب لزوم قوانين الطبيعة، ووصفُها بأنّها لا تبديل لها يوحي بحتميّةٍ صارمة. ومع هذا الثبات يعلّق القرآن عملها على شرطٍ إنسانيٍّ حرٍّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. وفي هذا التركيب يكمن الحلّ. القانون حتميٌّ في نتيجته، حُرٌّ في مقدّمته. فما تزرعه الأمم مختارةً من عدل أو جور، تحصده مجبرةً من نهوض أو سقوط؛ إذ تملك الشعوب صناعة البدايات، وتتكفّل المقادير بالنهايات. بهذا يجتمع الثبات القانونيّ مع الفاعليّة الإنسانيّة في بنيةٍ واحدة، فيتحرّر التاريخ من الجبر الأعمى ومن العبث معًا، ويغدو مجالًا لمسؤوليّة الإنسان عن مصيره الجمعيّ. والأجلُ المضروب للأمّة إنّما هو نتيجةٌ لاستيفائها أسباب زوالها بفعلها الحرّ، لا قدرٌ مسلّطٌ عليها من خارج إرادتها.
الموضع الذي تتقرّر فيه هذه المصائر موضعٌ باطنٌ في وعي الأمّة. تقديمُ "ما بأنفسهم" على "ما بقوم" في الآية يحمل دلالةً فلسفيّةً دقيقة. فالبنية الخُلُقيّة والوعي الجمعيّ هما أرض الصيرورة التاريخيّة، والتحوّل الظاهر أثرٌ متأخّرٌ لتحوّلٍ سابقٍ في العمق. يبدأ الفساد في التصوّر، حين يرى المجتمع الظلم عدلًا والاستضعاف قدرًا طبيعيًّا، ثم ينتقل إلى الإرادة فتنطفئ فيها رغبة الإصلاح، ثمّ يستقرّ في السلوك فينخر البناء من داخله. تُهزَم الأمّة في وعيها قبل أن تُهزَم في ميدانها، وتنهار قيمها الجامعة قبل أن تنهار جدرانها. هذا الترتيب يقيم الوعي أصلًا في الوجود التاريخيّ، ويجعل من عالم المعنى الأساسَ الذي يقوم عليه عالم العمران، ويضع مفتاح النهوض حيث يضع مفتاح السقوط: في الأعماق التي تُصنع فيها القناعات والإرادات.
من هذا الأصل تنبثق قاعدةٌ في المسؤوليّة تشدّ الأمّة كلّها إلى مصيرها المشترك: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. فالعقوبة الحضاريّة تعمّ حين يستفحل الظلم ويسكت عنه القادرون على دفعه. فالمجتمع الذي يترك الظالم يعبث بموازينه، ويصمت عن بخس الحقوق وتفتيت الوحدة، يشارك في صناعة مصيره، والسكوت عن الفساد ضربٌ من الرضا به، والرضا يُدخل الساكتين في دائرة المسؤوليّة. عند هذه النقطة تخرج القضيّة من حساب الأفراد إلى حساب الأمّة، وتصير صيانة العدل واجبًا عامًّا يحفظ الجميع من العاقبة الواحدة، ويجعل مقاومة الظلم شرطًا في بقاء العمران.
**********
تعترض هذه الرؤيةَ مفارقةٌ ظاهرة: الأمم الظالمة تمتدّ في الزمن أحيانًا، وتزداد قوّةً وثراءً في عزّ ظلمها. لكن القرآن يحلّ المفارقة بمفهوم الإمهال والاستدراج، فيجعل تأخّر النتيجة مرحلةً من مراحل القانون: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. يُخفي سطحُ التاريخ وجهته الحقيقيّة؛ فالرخاء المتّصل قد يكون درجاتٍ ينزل بها المجتمع نحو نهايته وهو يحسبها صعودًا. ظاهرُ زمن الحضارة وباطنه يفترقان، فيبدو الأفول ازدهارًا حتى تكتمل الشروط وتنزل العاقبة. المهلة في ذاتها فرصةٌ تحتمل الرجوع كما تحتمل التمادي؛ فالأمّة التي تستثمرها في الإصلاح تنجو، والأمّة التي تحسبها إقرارًا لظلمها تُراكمُ أسباب سقوطها في هدوءٍ خادع. بهذا يستقيم القانون مع امتداد الظالمين في الزمن، ويتحرّر النظر من ربط العلّة بلحظتها الفوريّة.
**********
يقابل قانونَ الهلاك قانونٌ صاعدٌ يعمل في الاتجاه المعاكس بالحتمية نفسها. الأمة التي تصلح ما بنفسها تفتح على نفسها باب النماء والبركة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. القانون واحدٌ يعمل في الاتجاهين، صعودًا وهبوطًا، وفق ما تودعه الأمة في أعماقها من عدلٍ أو ظلم. فالإيمان والتقوى في هذه الآية عملٌ اجتماعيٌّ يصون التوازن ويثمّر الطاقات، والبركةُ نتيجةٌ لهذا الصون تتجلّى في العمران والرزق والأمن. وبهذا يتحرّر قانون السُّنَن من صورة التهديد وحده، ويصير نداءً يوقظ الإرادة؛ فمن ملك القدرة على أن يفسد ما بنفسه يملك القدرة على أن يصلحه، ومن استحقّ الهلاك بظلمه يستحقّ البقاء بعدله.
**********
يصحب القرآنُ قانونَ الهلاك بقانونٍ ثالثٍ يوازنه في مستوى التاريخ الكُلّيّ. سقوطُ أمةٍ يفسح المجال لنشأة أمةٍ تخلفها، فالحياة الحضارية مستأنَفةٌ باستمرار: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١]. القصمُ عقوبة الظالمين، والإنشاءُ وعدٌ للخلف بفرصةٍ يبدأ منها. القوم الجدد يرثون الأرض والامتحان معًا، ويقفون أمام الخيار ذاته: عمرانٌ على العدل يبقى، أو على الظلم يزول. وبهذا يصير الهلاك جزءًا من دورةٍ أوسع تجدّد فيها الأرض أهلها، وتُمنح فيها كلُّ أمةٍ فرصتها في صناعة مصيرها، ويبقى القانون فوق الأمم جميعها حَكَمًا على صعودها وأفولها.
**********
يتوّج القرآن هذه الفلسفة بمنهجٍ في المعرفة يوازيها. فالدعوة إلى السير في الأرض والنظر في عواقب الأمم تحويلٌ للتاريخ من أخبارٍ تُروى إلى قوانينَ تُستخرج، ومن جزئيّاتٍ متفرّقة إلى كُلّيٍّ جامع: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]. السيرُ هنا عملٌ عقليٌّ يقرأ في الجغرافيا تاريخًا، ويستخرج من عاقبة الأمم قاعدةً تنتظم بها المصائر، ويرقى بالاستقراء من الحادثة المفردة إلى السُّنَّة الجامعة. وكلمة "أمثالها" في قوله: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠] تقرّر امتداد القانون إلى كُلِّ من استوفى شروطه. فالمصيرُ الواحد يتكرّر بتكرار أسبابه، والقاعدة تسري على الحاضر سريانها على الماضي، فيصير علم الأمم بماضيها أداةً لقراءة حاضرها واستشراف مآلها.
**********
تتضافر هذه العناصر في فلسفةٍ متماسكةٍ لسقوط الأمم. قانونٌ ثابتٌ يحكم المصائر، وأمةٌ ذاتُ إرادةٍ وأجلٍ، وعلّةٌ خُلُقيةٌ محورُها العدل والظلم، وحريةٌ إنسانيةٌ تختار الشرط، ووعيٌ جمعيٌّ هو أرض التحوّل، ورسالةٌ تقيم الحجّة وتنبّه إلى الخطر، وإمهالٌ يخفي وجهة التاريخ، ومسؤوليةٌ عامةٌ تشمل الأمة كلّها. هذه العناصر تنتظم في رؤيةٍ واحدةٍ ترى في التاريخ حقلاً معقولاً تحكمه سُنَن، وتضع الإنسان في موقع الفاعل المسؤول عن مصير جماعته. تتجاوز الفلسفة هنا تفسير الماضي إلى بناء وعيٍ بالحاضر؛ فمن أدرك القانون قرأ موقعه على خطّ الصعود أو الهبوط، وملك أدوات تصحيح مساره قبل بلوغ العتبة. يقدّم القرآن هذه الرؤية بوصفها معرفةً عمليةً تُوجّه الفعل، وتتجاوز الفلسفةَ النظريةَ التي يُكتفى بتأمّلها، فتحوّل النظر في عواقب الأمم إلى بصيرةٍ تحرس العمران.
**********
تجعل هذه القراءةُ من موضوع هلاك الأمم مرآةً دائمةً للحاضر. المجتمع الذي يستشري فيه ظلمُ فئةٍ لفئة، ويتضخّم فيه ترفٌ يعطّل العدل، وتختلّ فيه موازين الحقوق، يسير على السُّنّة ذاتها التي سارت عليها الأمم البائدة، وإن تبدّلت صور الخراب من انهيار الثقة العامة إلى تآكل الشرعية إلى استنزاف الموارد. بدّلت أدوات الظلم في العصر أشكالها، فصار تشكيل الوعي الجمعي وصناعة القناعات ميدانًا يُبسط فيه النفوذ ويُعطَّل به الإصلاح، على نحوٍ يوازي ما فعله الملأ المستكبر بأقوامه حين استنفر عصبيّتهم في وجه دعاة العدل. والأمّة التي يُصادَر وعيها، وتختلّ موازين الحقوق فيها، ويُترك المترفون يوجّهون مصيرها، تكون قد استوفت شروط السُّنّة وإن بدت في ظاهرها قويّةً مزدهرة. تمنح قراءةُ الحاضر، بمقاييس القرآن، الأمّة ميزانًا تزن به صحّتها من اعتلالها، وتكشف اقترابها من العتبة قبل بلوغها، فتملك فرصةَ التصحيح ما دام باب المهلة مفتوحًا. فالميزان واحد في كل زمانٍ ومكان: عدلٌ يُطيل العمر الحضاري، وظلمٌ يستعجل الأجل.
**********
ومن هذا الأفق نفتح ملفّ هذا العدد على دراسة سُنَن السقوط في القرآن الكريم؛ حيثُ جاءت أبحاثه على النحو الآتي:
تناولت دراساتُ المحورِ: "التَّارِيخُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ: مِن مَنطِقِ الحَدَثِ إِلَى مَنطِقِ السُّنَنِ" بقلم الشيخ (حسين محمود كوثراني) (لبنان)، و"شُرُوطُ الصُّعُودِ الحَضَاريِّ فِي القُرآنِ: مِن الإِنسَانِ إِلَى العُمرَانِ - قِرَاءَةٌ مَوضُوعِيَّةٌ فِي سُنَنِ البِنَاءِ وَالتَّمكِينِ -" التي أفاض فيها د. (عبد الله م. بدوي) (لبنان)، و"مِن الدَّاخِلِ يَبدَأُ السُّقُوطُ: دِرَاسَةٌ قُرآنِيَّةٌ تَحلِيلِيَّةٌ فِي البِنيَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لانهِيَارِ العُمرَانِ وَالحَضَارَاتِ" التي أجاد فيها الشيخ (محمود علي سرائب) (لبنان)، فيما كتب د. (علي صاحب الجصاني) (العراق) " دِرَاسَةٌ تَحلِيلِيَّةٌ فِي البِنيَةِ المَعرِفِيَّةِ لِلقَصَصِ القُرآنِيِّ وَأَثَرِها فِي تَشكِيلِ الوَعيِ الحَضَارِيِّ".
أمَّا بابُ الدراساتِ والبحوثِ القرآنيَّة، فقد خُصِّصَ للغوص في" مُتَطَلِّبَاتُ البَحثِ القُرآنِيِّ فِي رُؤيَةِ آيَةِ اللهِ الخَامِنَئِيِّ (قده)" من تأليف د. (زهرة إخوان مقدّم) (إيران) والتي تفضَّل بترجمتها د. (محمّد فراس الحلباوي) (سوريا)، مضافًا إلى قراءةٍ في كتاب: " ظُهُورُ الحَضَارَاتِ وَسُقُوطُها مِن مَنظَارِ القُرآنِ الكَرِيمِ" بقلم الشيخ محمد باقر حيدر (لبنان).
وبذلك نأمل أن يسهم هذا العدد في ترسيخ قراءة قرآنيَّة واعية، تعيد توجيه النقاش نحو القيم، وتحرّر الإنسان من السرديات المغلقة، وتؤسِّس لوعي حضاري يجعل القرآن مصدرًا للهداية في عالم مضطرب، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
والله الموفِّق إلى سواء السبيل.
وفي هذا السياق، تحاول هذه المقالة إعادة قراءة التاريخ في القرآن بوصفه أداة للفهم، وتبيّن كيف يتحوّل الماضي القرآني إلى مرآة يقرأ الإنسان من خلالها حاضره ومستقبله. فالتاريخ في المنظار القرآني تجربة إنسانية تكشف أنَّ الظلم، والاستكبار، والإصلاح، والإيمان، ليست مجرّد قيم خُلُقية، وإنَّما قوى تصنع مصائر المجتمعات وتوجّه مسارها.
ومن هنا، فإنَّ الانتقال من منطق الحدث إلى منطق السُّنَن يغيّر طريقة فهم الإنسان للتاريخ نفسه؛ إذ يصبح التاريخ مجالًا للفهم والمسؤولية، لا مجرّد ذاكرة للأحداث التي مضت.
ينطلق البحث من سؤال مركزي: ما الشروط التي يقرّرها القرآن لنشوء حضارة صاعدة قابلة للاستمرار؟ ويعتمد منهج التفسير الموضوعيّ، والتحليل المفهوميّ، والتركيب السُّننيّ، مستفيدًا من التفاسير الإماميّة ومصادر الحديث والدراسات القرآنيّة المعاصرة.
يخلص البحث إلى أنَّ الصعود لا ينهض بالقوّة المادّيّة وحدها، بل ببناء الإنسان المكرَّم والمستخلف، وربط العمل بالعدل والأمانة والمسؤوليّة والشورى. كما يميّز بين التمكين السُّننيّ والنجاح العارض.
وبذلك يقدّم البحث قراءة قرآنيّة بنائيّة لسُنن النشوء، تجعل العمران الصالح ثمرة لاجتماع الهداية والعمل والقيم في واقع الإنسان، وتؤسّس معيارًا يضبط النظر في النهوض من داخل النص القرآنيّ، لا من خارجه.
وتبحث الدراسة العلاقة بين التغيير الداخليّ، والفساد، والترف، والاستكبار، والظلم، والاستبدال الحضاريّ، بوصفها حلقات مترابطة في قانون قرآنيّ يفسّر انهيار الحضارات من داخلها قبل هزيمتها من خارجها.
وتعتمد الدراسة المنهج التفسيريّ الموضوعيّ والتحليل السُّنَنيّ، مستندةً إلى نصوص الشهيد السيّد (محمد باقر الصدر) في السُّنَن التاريخيّة والمحتوى الداخليّ للإنسان، وإلى تفسير العلّامة (الطباطبائي) للعلاقة بين الأعمال والحوادث، وإلى ما عرضه الشيخ (محسن الأراكي) في السُّنَن الاجتماعيّة القرآنيّة، مع الإفادة من بعض الرؤى الحضاريّة عند (ابن خلدون)، و(مالك بن نبي)، و(عبد الوهاب المسيري).
وتخلص الدراسة إلى أنَّ السقوط الحضاريّ يبدأ من تغيّر النفس واختلال المنظومة القيميّة، ثم يتجلّى في الفساد والترف والاستكبار والظلم، حتى ينتهي إلى الاستبدال الحضاريّ وفقدان الأمّة دورها في حركة التاريخ.
وتتأسّس البنية الفلسفية العميقة للقصّة القرآنية على أربعة أبعاد جوهرية متكاملة: البُعد المعرفي لعملية استنباط تلك القوانين الكلِّية الثابتة، والبُعد السلوكي لتقديم النماذج العملية للاقتداء، كالثبات والدعوة بالحُسنى، والبُعد الخُلُقي لتفعيل الضمير المعياري ضدّ العبث والمادية، والبُعد الوجداني لإثارة طاقة الأمل والخشية في القلوب. ويسعى هذا المنهج القرآني الشامل لتفكيك ظاهرة تقليد الآباء، وتحرير العقل البشري من آفة تقديس الماضي والتبعية العمياء للسلف، مستبدلًا إيّاها بالبرهان العقلي السليم، ومبطلاً وَهْم الرصيد الحضاري المتوارث بالانتساب الجيني. كما يُعيد القصص صياغة المعايير الحضارية بتقديم العمران القِيمي والعدالة الإنسانية على التراكم المادّي والصروح الشاهقة، مفعّلًا مبدأ الاستخلاف الإنساني المسؤول بهدف صناعة معالم المستقبل الجديد المشرق والواعد.
وبما أنّ الحصول على مجموعة متّسقة ومنسجمة من متطلّبات البحث القرآنيّ في المنظومة الفكريّة والعقديّة لـ(آية الله الخامنئيّ) هو الهدف، فإنّ البحث يسعى لاستنباط هذه المتطلّبات واستخراجها باستخدام المنهج الوصفيّ-التحليليّ، متّخذًا القرآن وكلمات (آية الله الخامنئيّ) محورًا له. السؤال الرئيس هو: ما المتطلّبات الخاصّة بالبحث القرآنيّ والتحقيق الخاصّ به؟ وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، يُقدّم المقال نتائج تبدو مُهمّة تُشكّل مجموعة من المتطلّبات الضالعة في التحقيق والبحث في القرآن الكريم، وهي: التعرّف على القرآن، ومحوريّة القرآن، والعود إلى أحاديث المعصومين (عليهم السلام) مع تصفيتها وتنقيتها، والكشف عن البنية الحاكمة على القرآن، والاهتمام بالذات التقدّميّة والتغيّريّة للقرآن، والاهتمام ببطون القرآن، ونورانيّته، والأنس به، والاهتمام بالعلوم القرآنيّة ومرجعيّتها.
ينطلق الكتاب من التأكيد على الفهم الاجتماعي لحياة الإنسان، وعلى النظرة السُّنَنيّة لحركة التاريخ. فالتاريخ ليس مجموعة من الأحداث المبعثرة، إنّما هو سلسلة من المسائل المنتظمة التي يمكن اكتشاف عللها وقوانينها.
يشير الكتاب إلى المفهوم القرآني "للسُّنّة"، ويعرض القانون الأساس الحاكم على السُّنَن الاجتماعية كلّها. كذلك يستخلص الكتاب من القرآن الكريم ثمانية قوانين وسُنَن اجتماعية تؤدِّي إلى سقوط المجتمعات والحضارات. في المقابل يلفت إلى وجود ثلاثة مفاتيح أساس لتطوّر المجتمعات وازدهار الحضارات.
ويختم الكتاب بالإشارة إلى مستقبل العالم ونهاية التاريخ، معتبرًا أنَّ القواعد القرآنية تؤكِّد غلبة الحقّ على الباطل، واستحكام حكومة المستضعفين أتباع الأنبياء (عليهم السلام).
التعليقات