فالقرآن يستدعي تجربة بني إسرائيل باعتبارها مختبرًا إنسانيًّا لفهم قوانين الاصطفاء، وشروط الانحراف، وآليَّات السقوط، وسُنن الاستبدال. ومن هنا تتجاوز دراسة بني إسرائيل حدود الجدل الديني أو السياسي، لتصبح مدخلًا لفهم المسار الحضاري للأُمم، وكيف تتحوَّل الرسالات إلى طاقات بناء، أو تنقلب إلى أدوات تبرير حين تفقد بُعدها الخُلُقي.
أوَّلًا: مدخل في مركزيَّة قضيَّة بني إسرائيل في الخطاب القرآني
يتَّضح للقارئ أنَّ القرآن الكريم أفرد مساحة واسعة للحديث عن بني إسرائيل، إنْ من حيث الكمّ، أو من حيث التوزّع في السور المكيَّة والمدنيَّة، ما يكشف عن قصديَّة تربويَّة وحضاريَّة. فذكرهم يتكرَّر في سياقات متعددة: سياق التذكير بالنعم، وسياق التحذير من الانحراف، وسياق بيان سُنن السقوط والنهوض، وسياق المواجهة مع النبوَّة. وهذا التنوّع يدلّ على أنَّ القرآن يهدف إلى بناء وعي سُنني يجعل تجربة بني إسرائيل نموذجًا لفهم علاقة الإنسان بالوحي.
فالقرآن يفتتح خطابه مع بني إسرائيل بمنطق التذكير بالنعمة والمسؤوليَّة، كما في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47]. إنَّ هذا التفضيل لا يُعرض بوصفه امتيازًا ذاتيًّا، وإنَّما بوصفه تكليفًا تاريخيًّا؛ لأنَّ السياق القرآني نفسه يربطه بالعهد والميثاق. فالتفضيل هنا مشروط بالوفاء. ومن هنا يتكرَّر في القرآن الربط بين النعمة والعهد: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]، وهو ربط يؤسِّس لفكرة أنَّ الاصطفاء هو علاقة متجدِّدة بين الله والإنسان.




التعليقات